اكرم عبد خليفة الدليمي
279
جمع القرآن
ترتيب الآيات في سورها يعد ذاته مظهرا من مظاهر إعجاز القرآن الكريم ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) « 1 » . إن ترتيب الآيات في السور بهذا الشكل العجيب البديع ، وبهذا الترابط بين الآيات بعضها ببعض ، والذي يبدو لمتأمله وكأنها حلقات مترابطة في سلسلة من ناحية اللفظ والمعنى فيه ، فيجد الترابط والتلاحم التامين بين الآية وسابقتها ولاحقتها . على الرغم من أن هذه الآيات كان نزولها متفرقا ، واستمر أكثر من عشرين عاما ، فترتيب الآيات إنما هو وجه آخر من وجوه الإعجاز القرآني . إن عثمان رضي اللّه عنه لم يكن مستبدا برأيه في جمع القرآن ، وإنما كل خطوة يخطوها أقدم عليها في جمع القرآن كان نتيجة استشارة الصحابة رضي اللّه عنهم ، حملة القرآن وحفاظه ، وكانت اللجنة برئاسة زيد بن ثابت وسعيد بن العاص هي التي قامت بجمع القرآن ، وكان لعثمان رضي اللّه عنه دور الإشراف المباشر على تنفيذ المشروع ، وإقرار ما يتوصل القائمون به ، بعد عرضه على الصحابة والإجماع عليه « 2 » . أما دعوى بلاشير وغيره من المستشرقين إلى إعادة ترتيب السور في المصحف الشريف بالشكل الذي يريدونه ، فليس من ورائها إلا محاولة تحقيق هدف سياسي ، وهو ضرب وحدة المسلمين إذ من المعلوم تاريخيا أن مصحف عثمان رضي اللّه عنه بشكله وترتيبه المعروف إنما جسد وحدة المسلمين ووحدة كلمتهم عليه ، فعليه فإن أي محاولة للمساس به بأي شكل من الأشكال ، إنما تستهدف ضرب وحدة المسلمين وما اجتمعت عليه إرادتهم وكلمتهم مهما كانت الحجج الواهية التي حاول المغرضون التستر من ورائها ، فلو كان بلاشير ونولدكه
--> ( 1 ) سورة النجم ، الآيتان ( 3 ، 4 ) . ( 2 ) ينظر : تاريخ القرآن ، د . عبد الصبور شاهين : 115 ؛ ومناهل العرفان للزرقاني : 1 / 302 .